
-أخبار (أطار)- في قلب مدينة أطار، حيث تعبق الرمال بذكرى الصالحين وتفوح الجبال بعبق العلم، ولد الشيخ "محمد سالم ولد محمد ولد اسويدي" (1967م – 2026م)، ليشكل طوال مسيرته نموذجا فذا للعالم الذي لا يعرف التوقف، وللمربي الذي طوّع التقنية لخدمة الرسالة المحمدية.
لم تكن ولادته حدثا عابرا في أسرة شمس الدين العريقة، بل كانت "رجاءً" تحقق بالبصيرة؛ فوالدته السيدة "محجوبة منت لعبيد" – رحمها الله – كانت تستشرف فيه مستقبلا حافلا بالعطاء، فسمته "محمد سالم" تيمناً بسلامة الدين والعقل والمنهج، وقد صدقت فراستها، إذ نشأ الشاب وهو يحمل همّ العلم بين جنباته، متشرّبا قيم الاستقامة والوقار.
رغم بدايته في التعليم النظامي، إلا أن نداء المحظرة كان أقوى؛ فشدّ الرحال إلى "أبير تورس" قرب المذرذرة، ليجالس العلامة الشيخ "ولد حم"، هناك، تشرّب أصول الفقه، والعقيدة، والحديث، واللغة، فصقلت المحظرة روحه قبل عقله،
وحين داهمه قدر الرحيل المبكر لوالدته، لم يثنهِ الحزن عن رسالته، بل عاد إلى أطار ليحمل مسؤولية أسرته، كان الشيخ "محمد سالم" يجمع في يومه بين كفاح التجارة في السوق، وحلقات العلم في المساجد، مبرهنا أن العلم لا يقتصر على جدران المدارس، بل هو سلوكٌ يومي ونهج حياة.
لم يكتف الشيخ بالتعليم التقليدي، بل استشرف المستقبل مبكرا، حين بَزغ فجر العصر الرقمي، حوّل "حانوته" ودروسه من النطاق المحلي إلى آفاق عالمية؛ فأسس محظرة رقمية جمعت آلاف الطلاب من شتى بقاع الأرض، كانت هذه المنصة بمثابة جسر معرفي، أجاب فيها عن استشكالات الناس الدينية، وبث من خلالها منهج الوسطية والاعتدال، لتصبح سيرته دليلا على أن العالم الحق هو من يواكب عصره دون أن يفرط في أصالة موروثه.
ترجّل الفارس عن صهوة جواده عام 2026م في المملكة المغربية، عن عمر ناهز تسعة وخمسين عاماً، قضاها في محراب العلم والدعوة، لقد غادر الشيخ محمد سالم ولد اسويدي عالمنا، لكنّه ترك "إرثاً رقمياً" وطلابا تفيؤوا ظلال علمه، وظلّ صوته بلسماً وحجةً في الفتاوى والدروس.
رحم الله الشيخ محمد سالم، وجعل كل حرف علمه، وكل سؤال أجاب عليه، نوراً يضيء قبره، وصدقة جارية لا تنقطع في صحيفة حسناته.
#أخبار_أطار




